مجموعة مؤلفين

120

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

والتفنن ، وذلك منتظر من ربيب رسول اللّه ، ووارث علومه الذي يؤمن كل أديب انه أول مفكري الاسلام ، وان كلامه فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق ، وان الحكمة التي جاءنا بها حكمة سامية خالدة على الدهر ، وان كتبه تتمتع بقوة منطقية سديدة ، ومقدرة على القياس بالغة ، وانه مجدد في كل ذلك بالنسبة إلى رجالات عصره ، ونسيج وحده لا يشق له في هذا المضمار غبار . نقول : انه منتظر من الإمام علي الذي انفرد بهذه الميزات جميعا وكلها جليل ، رفيع ، رائع ، أن يستعمل هذه الطريقة على مدى أرحب . . . ويلوح لنا أنه استنبطها جميعها أو أكثرها من آي الذكر الحكيم ، وأقوال النبي . اسمعه يقول : « من أعطي أربعا لم يحرم أربعا . من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة . ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول . ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة . ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة . وتصديق ذلك كتاب اللّه . قال اللّه في الدعاء : ادعوني استجب لكم . وقال في الاستغفار : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفورا رحيما . وقال في الشكر : لئن شكرتم لأزيدنكم . وقال في التوبة : إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، فأولئك يتوب اللّه عليهم ، وكان اللّه عليما حكيما . فهل من مسوّغ للشك يبديه نقادنا بعد هذا السبب الرابع نكاد نجزم حين نعرض لدراسة السبب الرابع أن الشاكين في نهج البلاغة لم يقرءوه جميعه قراءة واعية لأن الإمام نفسه جلا هذه الشبهة في إحدى خطبة . ففي نهج البلاغة - انه عندما انتهى من خطبته التي أخبر بها عن الملاحم في البصرة - قام رجل كلبي من بعض أصحابه فقال : لقد أعطيت علم الغيب يا أمير المؤمنين فضحك ( ع ) وقال : يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو تعلم من ذي علم ، وإنما علم الغيب ، علم الساعة ، وما عدّدة الله بقوله : إن اللّه عنده علم الساعة . . . الآية ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا اللّه ، وما سوى ذلك ، فعلم علمه الله نبيه ، فعلمنيه ، ودعا لي أن يعيه صدري ، وتضطم عليه جوانحي . إننا إذا أخذنا بهذا القول وحده ، وصرفنا النظر عن استنتاج القضايا الاجتماعية من مقدماتها وأسبابها ، وعن قول النبي ( ص ) : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه ، فإننا نراه كافيا لصد ذلك الشك العائر .